أحمد بن محمد ابن عربشاه
83
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
والمناصب في يد أهلها ، ملتفت إلى أحوال الرعية عامل بينهم بالعدل والسوية ، متعهد أمور الكبار والصغار بأنواع الإحسان وأصناف المسار « 1 » مؤسس قواعد المملكة والسلطنة ، على أركان العقل والعدل مهما أمكنه ، متفحص عن مصالح المملكة ، سالك مع كل من أرباب الوظائف ما يقتضى مسلكه . ثم وقع اختياره من بين أولئك الجماعة ، على شاب جليل البراعة له في سوق الفضل والوفاء أوفر بضاعة ، متصف بأنواع الكمال متحل بزينة الأدب والجمال ، فاتخذه وزيرا وفي أموره ناصحا ومشيرا ، فجعل يلاطفه ويرضيه ويكرمه ويدنيه ، ويفيض عليه من ملابس الإنعام وخلع الإفضال والإكرام ما ملك به حبة قلبه واستصفى خالص وده لبه ، وسكن في سويدائه « 2 » وتمكن به من ضمير أحشائه إلى أن اختلى به وتلطف في خطابه ، واستنصحه في جوابه ، وسأله عن أمر أمرته وموجب رفعته وسلطنته من غير معرفة لرفاق ولا أهلية ولا استحقاق ، ولا هو من بيت الملك ولا في بحر السلطنة له فلك ، ولا معه مال ولا خيل يهديها ، ولا رجال ولا معرفة يدلى بها ، ولا شجاعة وفضيلة يهتدى بتهذيبها . فقال ذلك الشاب في الجواب : اعلم أيها الملك الأعظم أن هذه البلدة وعساكر إقليمها وجنده ، قد اخترعوا أمرا واصطلحوا على عادة أخرى ، سألوا الرحمن أن يقيض لهم في كل أوان شخصا من جنس الإنسان ، يكون عليهم ذا سلطان ، فأجابهم إلى ذلك فسلكوا في أمره هذه المسالك ، وذلك أنهم في اليوم الذي قدمت عليهم يرسل الله تعالى رجلا من عالم الغيب إليهم ، فيستقبلونه كما استقبلوك ، ويسلكون معه طريقة الملوك ، من غير نقص ولا زيادة وقد صارت هذه لهم عادة ، فيستمر عليهم حسنه في هذه المرتبة
--> ( 1 ) السرور والفرح . ( 2 ) حبة القلب .